شبكة ومنتديات أنصار العدالة
أهلا وسهلا زائرنا الكريم ومرحبا بك في منتداك ونتمنى أن تكون زيارتك الأولى للمنتدى مفتاحا للعودة إليه مرة أخرى والانضمام إلى أسرة المنتدى


للعلوم والمعارف الشرعية والقانونية والفكرية والأدبية والعلمية
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
تعلن إدارة المنتدى عن فتح باب الاشراف والرقابة في أقسام المنتدى فعلى الأخوة الأعضاء الراغبين في الإشراف إرسال رسالة إلى مدير المنتدى بطلب الإشراف واختيار المنتدى الذي يرغب الإشراف عليه

شاطر | 
 

 العالم العربي من فرض العلمنة إلى فرض العولمة - د. سعد بن مطر العتيبي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محامي حر



عدد المساهمات : 13
تاريخ التسجيل : 12/10/2012

مُساهمةموضوع: العالم العربي من فرض العلمنة إلى فرض العولمة - د. سعد بن مطر العتيبي   السبت أبريل 27, 2013 4:46 pm

العالم العربي من فرض العلمنة إلى فرض العولمة

د. سعد بن مطر العتيبي
بسم الله الرحمن الرحيم
العالم العربي من فرض العلمنة إلى فرض العولمة
(واللاعنف بوصفه وسيلة أنجع )


مدخل :
هل الثورات العربية : ظهور لمؤامرة أجنبية ؟ أو انفجار لوضع اجتماعي وسياسي محض ؟

في هذا المقال سأحاول قراءة الثورات العربية من زاويا أخرى أشرت إلى ناظمها في العنوان ، وتتضمن التعريج على ثورات من نمط آخر ، تعتمد إحداث تغييرات دستورية أو قانونية تسبق الثورات الشعبية ؛ ولا سيما بعد اللجوء إلى هذا النمط ، في محاولة لتجاوز فشل ثورات أخرى ماتت قبل أن تلد !

وعلى كل حال ؛ فهذه القراءة للثورات ، لن تخلو من جواب على السؤال الذي استفتحت المقال به ، كما سأضطر إلى الإجمال في مواضع عديدة استهدافاً لتتابع الأفكار الرئيسة . فأقول مستعيناً بالله :

1)
يعتقد بعض المحللين والمثقفين بأنَّ الثورات العربية الأخيرة أو ما يعبّر عنها بـ (الانقلابات الناعمة) ، ليست إلا مؤامرة أجنبية ؛ ومن يقرأ كتاب ( من الديكتاتورية إلى الديمقراطية ) ، لجين شارب ، الصادر عن مؤسسة ألبرت أنشتاين عام 2002م) قد يرتقي إليه الشك فيما يراه أولئك المثقفون إلى اليقين بما يقولون ؛ غير أنَّ من يقرأ الثورات ذاتها وتحولاتها ومساراتها ، سيدرك –مهما كانت خلفيته عن الواقع- أنَّ حمّالة الحطب ، قد لا تشعل النار ! وإن هي أشعلتها ، فقد لا تنتفع منها بما ترجوه من خطة دفءٍ ، ولا نضج آثار ؛ وهذا ما سيأتي بيانه في فقرة تالية إن شاء الله تعالى .

2) ولقد ظهرت الدعوة إلى (التغيير باللاعنف) على نحو جلي جدا ، بعد ظهور فكرة (الشرق الأوسط الجديد) ؛ واتخذت ثلاث مسارات رئيسة ، أُورِدها في هذه الفقرة بإيجاز ، ثم أعود إليها بشيء من البيان في الفقرات التالية :

فالمسار الأول : القضاء على آليات استخدام القوة ضد العدو (مقاومة المحتل) ! سواء كان عدواً داخلياً أو خارجياً ؛ حتى لو استهدف النفسَ والعرض .

والمسار الثاني : الثورة الشعبية السلمية ، أو التغيير من خلال اللاعنف ، والتي ترفع شعار : ( سلمية سلمية ) .

والمسار الثالث : التغيير من خلال الثورة على النظم الأساسية والدساتير والقوانين والأنظمة المحلية للبلاد الإسلامية .

3) والمسار الأول يبدو من خلال أدبياته كما لو كان امتداداً للنِّحلة القاديانية ( الأحمدية ) التي تجد احتفاء غربياً ، منذ وقوفها في وجه الجهاد ضد المحتل الإنجليزي في الهند وإلى اليوم ، كما تجد رواجاً إعلاميا في بعض وسائل الإعلام في عالمنا الإسلامي ، ولترويجها رموز من الشام والهند ، فيما يشبه التحالف بين بعض الفلسفيين الهالكين في حبّ الغرب (لا الفلاسفة) ، وبين بعض غلاة المبتدعة الذين يجدون دعماً غربياً مشهودا .

وكثيرا ما تسمع رموز هذه الفئة تردِّد : ( لإن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ) ، والمؤسف أنهم يوظِّفون الآية في غير موضعها ، وتُعارَض بها جلّ -إن لم يكن كلّ- نصوص الجهاد في القرآن الكريم .

ويبدو أنَّ هذا المسار لم يلق قبولاً بين جماهير الشعوب الإسلامية ، التي تنظر إليه بعين الريبة والتشكك في أهدافه ، بعد أن نبذته كفكرة ، و لا سيما مع وجود الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين ، وفشل التطبيع الشعبي الإسلامي من الصهاينة ؛ فبقي هذا المسار حبيس رؤوس حامليه حينا ، وعلى أعمدتهم الصحفية حينا ، ولقد شاهدت عددا من لقاءت بعض رموزه في بعض القنوات الفضائية الشهيرة فكانت حججهم داحضة ، وأداؤهم ضعيفاً أمام المذيعين ، فضلاً عن المنظرين .

وعلى كل حال ، فهذا المسار ليس هو محل الحديث هنا ، وإن حاول أن يظهر رأسه في الثورات العربية ، لإيهام العامة بتوافق فكرته مع سلمية الثورات ؛ و شتان بين السلمية واللاعنف والاستسلامية وعمالة الغرب ، فالأهداف غير الأهداف .

4) والمسار الثاني : الثورة الشعبية السلمية ، أو التغيير من خلال اللاعنف ، الذي يعدّ تحولاً من الخيار التقليدي - خيار الثورات المسلحة والانقلابات العسكرية الداخلية ، التي لم تعد مقبولة عالميا ، ولا سيما أنها مهما كانت نتائجها مناسبة للأجنبي ، إلا أنَّها محرجة له جداً ، بسبب تعارض مساندته لها مع ما يعلنه من مباديء - إلى خيار جديد سلمي في الجملة ؛ حيث يرفع فيه شعار : ( سلمية سلمية ) ؛ لقطع الطريق على النظام الذي يراد إسقاطه ، عن أي مسوّغ لقمع جماهير الثائرين ، وإلا كان منتهكاً لحقوق الإنسان ؛ لأنَّ مَن أمامه لم يحملوا سلاحاً ! ولأنَّه يقتل أناساً عزّلا ! ومن ثم تتم مواجهته بما يسمى بـ(الشرعية الدولية) التي لا تعني الالتزام بالمعاهدات ، وإنما تعني في واقعها الإلزام الانتقائي بالإملاءات ، بما فيها رحيل النظام ؛ ليتم بعد ذلك وضع نظام جديد ، يقبل إملاء الأجنبي عليه دون تردد !

وهذه الآلية السلمية في الجملة ، والتي توصف بـ (تقنية اللاعنف) ، تمَّ الاعتماد عليها من قبلُ في قلب أنظمة الحكم المعارضة لحلف الأطلسي في أوربا الشرقية .

ولكن هل هذه التقنية (التغيير باللاعنف) ناجحة دوما ؟ وهل هي قابلة للتطبيق على كل حال ؟

هنا يمكن القول : لا شكّ أنَّ هذا المسار قد ثبتت فاعليته ، وبدت بوادر فائدته لبعض الشعوب المضطهدة ، التي تخضع للإذلال والاستبداد المقصود من عقود ؛ فوجدت فيه شفاء للنفس المظلومة ، وذاقت من خلاله طعم الحرية المهضومة ، وبدت تتزايد آثاره الإيجابية في إعادة الإنسان إلى توازنه العادي ، من خلال ما أحدثه من تغييرات جذرية في نمط الشخصية من جازعة إلى فاعلة ، وطريقة التفكير من القاع إلى الإبداع .

إلا أنَّ للثورات الشعبية (التي بلا رأس!) جانباً آخر سيئاً ، ينبغي التفطّن له ، وهو أحد أهداف هذه المقالة السياسية الشرعية ، حتى لا نغرق في نشوة الفرحة بسقوط أنظمة مستبدّة ظالمة ، وننسى أنَّ ذات الوسيلة قد تكون وسيلة إسقاط لأي نظامٍ لا يخنع ولا يخضع للأجنبي ، ولو كان ذلك النظام نزيهاً ، وعادلاً ، وجاءَ نتيجة انتخابات حرّة نزيهة ، تمت إثر ثورة ناجحة من ثورات ما يسمى بالربيع العربي !

وعليه يمكن القول : إنَّ مسار (التغيير باللاعنف) سلاح ذو حدين !فكما يمكن توظيفه في التغيير من الاستبداد إلى المشاركة ، ومن الظلم إلى العدل – يمكن توظيفه أيضاً : من الاستقرار والتدرج في الإصلاح ، إلى الفوضى الخلاقة ، التي من أجلها كُثِّف الحديث عنه ؛ حتى لو خرج الشعب من ثورته بحكومة تؤمن بإشراك الشعب في قراراتها بآلية من الآليات الديمقراطية كما أسلفت - إلا أنَّها تجعل هذه الحكومة ذاتها قابلة للثورة السلمية عليها دون مبرِّر حقيقي تقتضيه المصلحة العامة ؛ وهنا قد يتم تحريك هذه الثورة (التي وصِفَت بأنها لا رأس لها !) من خلال القوى الخارجية التي لن تعدم قضية محلية -محقة أو مبطلة - تدفع بها من خلال الطابور الخامس عادةً ، ومن خلال المظلومين من الوطنيين أحياناً ؛ لتجعل منها شرارة وقود لثورة جديدة ! لا تتطلب أكثر من حملة إعلامية منظّمة ، مع شيءٍ من الاستدراج إلى قراراتٍ وممارساتٍ يرفضها المواطن ويراها في غير مصلحته ثم يتبع بضغط أجنبي متكرِّر إعلامي أو سياسي أو اقتصادي! وهكذا تبقى الشعوب في قلاقل من ثورة إلى ثورة ، دون استقرار يجعلها مؤهلة للنهضة الوطنية ، والتنمية البشرية ، والحفاظ على الأمن القومي والوطني . وهنا نعود لما يراد من الفوضى الخلاقة ! وإعادة ترتيب المنطقة على نحو يخدم المصالح الأجنبية لحقبة جديدة .

نعم ليس كل من يشعل الحرب يملك إيقافها لصالحه ! ولعلّ هذه القراءة هي التي أدركها في حينه بعض الصهاينة إذ قال معلقا على ثورتي تونس ومصر ، ما معناه : إنها بداية شرق أوسط جديد ، لكنه على غير ما نريد ! وهو ما أشرت إليه في مقال سابق .

5) ومما ينبغي التوقف عنده هنا :ما يلحظ من أنَّ تقنية ( التغيير باللاعنف أو الانقلاب السلمي ) لم تكن فعّالة – ولو بالقدر الكافي على الأقلّ - بالنسبة للأنظمة التي ، لقادتها شعبية كبيرة بين الناس ولا تقبل الخنوع ، أو تقاومه ، انطلاقاً من ثقافتها الوطنية ، واستناداً على الخيار الشعبي العام .

فالفيلسوف (جين شارب) ، منظّر استراتيجية التغيير باللاعنف ، كان قريبا من محاولة التغيير بهذا السلاح السياسي في حالة فنزويلا ضد نظام شافيز ، تلك المحاولة التي فشلت فشلاً واضحاً ، بل ساهمت في زيادة شعبية رئيسها الممانع .

وفي عالمنا العربي يُلحظ أنَّ هذه التقنية ، قد تسببت في إسقاط الأنظمة التي انتشر فيها الظلم والفساد حتى عمَّ البلاد والعباد - تلك الصفة المصاحبة لكل دولة موالية للأجنبي ولاءً مطلقا - بسرعة مذهلة كحالة النظامين اللذين أُسقطا في مصر وتونس ! تلك الأنظمة التي تسارعت في إرغام شعوبها الإسلامية على ما يخالف دينها ، بقرارات غير دستورية ( لا شكلاً ولا مضمونا حيث تجاوزت السلطات التنظيمية ، والثوابت الإسلامية ) - على تمرير مفاهيم وسنّ قوانين تتعارض مع ثوابت دينها وثقافة المجتمع الإسلامي ! والتسارع في الرضوخ المبكر لاتفاقيات شاذَّة ، فيها إلزامات حادّة مجانبة للحق ، متدخلة في شؤون الخلق ، صرح علماء الإسلام ببطلان أسسها ، وجلّ بنودها المناقضة للإسلام عقيدة وشريعة ولنصوص القرآن والسنة الصريحة .

بينما سلمت منها الأنظمة العربية المتمنِّعة أمام الضغوط الأجنبية ، لأسباب موضوعية تنطلق من مبادئها الإسلامية ، وتنحاز لخيارات شعوبها في الجملة ؛ لا لضغط الأجنبي ، مهما ارتفع صراخ الانتهازيين حدّ التداعي للتباكي في محافل الأجنبي المتربص علناً !

وذلك كما في بلادنا العزيزة ، المملكة العربية السعودية ، حماها الله من كيد الكائدين ، وحقد الحاقدين .

وفي هذا الملحوظ عبرة عند المؤمنين بمقتضيات شؤم محادّة الله على من يحادّه ويحادّ الشعوب المسلمة ، طال الزمن أو قصر .

وهنا يحسن بنا الانتقال للمسار الثالث ، الذي يتمم هذا المعنى .

6) المسار الثالث : التغيير من خلال الثورة على النظم الأساسية والدساتير والقوانين والأنظمة المحلية للبلاد الإسلامية ؛ و إرغام الأنظمة فيها – فيما بعد – على ما تقتضيه تلك التغييرات القانونية في تقنيناتها الدستورية والعادية ، التي قد تصل مطالبها حدّ تغيير طبيعة النظام نفسه إذا ما كان ذلك ضرورياً لإحداث التغيير الأسرع ؛ ليتم الوصول بعد ذلك إلى تنفيذ ما يمليه الأجنبي ؛ ومن ثم إمكان تغيير البنية الثقافية الإسلامية في الدول المتمنّعة إسلامية أو غير إسلامية ؛ وفي الدول الإسلامية ، من خلال خلخلة كل ما يمت لثوابت دينها ، ومسلمات ثقافتها بصلةٍ ، عبادةً أو معاملةً أو أخلاقاً !

ويتخذ هذا المسار آليات عديدة ، من أهمها : الضغوط الأجنبية ، التي قد تتطلب أحياناً تحريك قلّة شاذّة من النفعيين ومن ينخدع بهم في الداخل ؛ ليتم تبنِّي تحركهم أجنبياً على أنّه تحرك شعبي - لتوقيع اتفاقيات تُلزم الدول الإسلامية بهذا النوع من التغيير الخطير أو الالتزام بمقتضى اتفاقيات سابقة وإن تم التحفظ عليها ؛ كما رأينا في التعامل مع الدول التي وقعت اتفاقية (سيداو1979م) ، التي تتغيا تغيير نظام الأحوال الشخصية الإسلامي ، وتبديله بما يتماشى مع رغبة الغرب ، فقد تحفظت عليها بعض الدول ، ومع ذلك تم تجاهل تحفظاتها ، وإرغامها على تنفيذ بنود الاتفاقية المشؤومة مهما كانت مناقضة لدين الدولة أو تدين المجتمع ؛ ومهما كانت آثار إرغامها على استقرار الدولة وأمن المجتمع، وكما هو مشاهد اليوم في كلَّ الدول التي سقطت أو لا زالت تتعرض لاهتزازات السقوط من خلال تنامي المظاهرات والمسيرات فيها !.

وأضرب مثالاً على المستند الأجنبي لهذا المسار الثوري ، ببعض بنود اتفاقية (سيداو) ؛ فقد جاء في المادة الثانية فقرة (أ) ، فقد جاء فيها : " إدماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها المناسبة الأخرى، إذا لم يكن هذا المبدأ قد أدمج فيها حتى الآن،وكفالة التحقيق العملى لهذا المبدأ من خلال التشريع وغيره من الوسائل المناسبة " .

وجاء في الفقرة (و) من ذات المادة : " اتخاذ جميع التدابير المناسبة ، بما في ذلك التشريع ؛ لتعديل أو إلغاء القوانين ، والأنظمة ، والأعراف ، والممارسات القائمة ، التي تشكِّل تمييزا ضد المرأة " .

فهل جلبت (سيداو) غضب الله على من تبع فيها الغربَ حذو القذة بالقذة كما أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه ؟!

وأقلّ ما يقال هنا : لعلّ الثورة على القوانين الشرعية المحلية للبلدان الإسلامية ، هي بدايات الظلم والفساد ، الذي تشكّل فيما بعد في الثورات الشعبية السلمية على الأنظمة التي كانت حاكمة ! ولا غرابة فمن يقبل الثورة على عقيدته وثوابته ، لن يتوانى عن ظلم المسلمين تبريراً لظلمه وعدوانه .

إذ لا شكَّ أنَّ من أخطر آليات خلخلة الاستقرار ، ودفع النّاس نحو المواجهة للأنظمة دون حاجة إلى أحزاب وتنظيمات : ثورة الأنظمة الحاكمة على القوانين والأنظمة المحلية المستمدة من الشريعة الإسلامية مباشرة . أو ما يمكن أن يوصف بالخضوع لـ(فرض العولمة) في البلاد التي تعلن العلمانية مبدءا ، و (فرض العلمنة) في البلاد التي لا تؤمن بالعلمنة ، بوصفها الخطوة اللازمة لفرض العولمة ؛ ذلك أنَّه انحياز للأجنبي ، لا للشعب ، الذي هو أداة التغيير كما في المسار الثاني .

7) وهذه القضية من أحقّ القضايا بالدراسة والعناية واستشراف المستقبل ! وهي قضية يمكن الإطلال عليها من خلال النظر في السلوك التغريبي الدولي تجاه الأمة العربية والإسلامية ، وتقسيمه إلى مرحلتين ، تلتا مرحلة الاستغلال للبلاد الإسلامية تحت مسمّى الاستعمار :

فأمَّا المرحلة الأولى : فمرحلة فرض العلمانية على الأوطان العربية والإسلامية ، إثر تحررها من الاستعباد الأجنبي ؛ إذ كان مقتضى العلمانية : عدم التدخل في الدين ذاته ؛ فبقيت للنّاس مساجدها ، وبقيت لها حرية ما – قلّت أو كثرت – في ممارسة شعائر دينها ، ووجدت لذلك وزارات يفترض فيها خدمة هذه الجوانب ؛ وكذا عدم التدخل فيما ينتمي إلى الدين بقوة من شؤون المجتمع ، كأحكام الأسرة ، التي بقيت بشكل ما ، تحت مسمّى قوانين الأحوال الشخصية .

وقد تكشفت العلمانية لشعوب العالم الإسلامي على أيدي الأبرار من قادتها وعلمائها المخلصين خلال العقود السابقة ؛ ثم انخرطت الجماهير العربية والإسلامية - في أوطانها وخارجها - بل والمسلمون الجدد ببلاد الأقليات ، في الصحوة الإسلامية التي تعني التوجه نحو الإسلام ذاته (لا التوجهات الحزبية ولا التيارات الإسلامية فحسب) ، واتجهت الشعوب إلى المطالبة بتحكيم الشريعة ، وذلك كلّه بالتزامن مع تشكّل مناعة عامّة ضد العلمانية ؛ حتى لم تعد قابلة للترويج الاختياري بالنسبة لجماهير المسلمين فضلاً عن المثقفين العقلاء والأحرار الشرفاء ،وصار المنادي بالعلمانية يتوارى من سوء ما يوصف به.

وأمَّا المرحلة الثانية :فمرحلة فرض العولمة (والمعنيّ بها هنا ما يتم الإلزام به من أفكار الأقلية الشاذة المؤثّرة من خلال الأذرع الدولية في الغرب) على الأوطان العربية والإسلامية ، بعد انحسار الحرب الباردة بين شيوعية الشرق وإمبريالية الغرب . فبعد فشل التغلغل العلماني في تحقيق كلّ أهدافه ، وبدأت تتحول القوى – هنا احتاج الأجنبي إلى ذراع أقوى ، لتلوي ذراع المتمنعين من الشعوب والحكّام . فكانت المرحلة الثانية بكل إرهاصاتها ووسائلها التي تستوحي كتاب (الأمير) دون استحياء ، حتى لو خرقت قوانين العالم بما فيها القانون الدولي العام !

Cool لقد كان (فرض العلمنة) على سوئها ، أرحم من (فرض العولمة) ؛ ويتضح ذلك في أمور منها : أنَّ (فرض العلمانية) أبقى تديناً عاماً ، وأشياء من الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي كما أسلفت .

أمَّا (فرض العولمة) ، فقد كان التعدي على الدين فيه أعمق ، والتعامل مع المخالف له أشرس ، وذلك من خلال وسائل عملية قذرة ، من مثل : الضغط على الأنظمة الحاكمة التي تتمنع ، حدّ التهديد بالفوضى ثم التدخل ! ووسائل فكرية خطِرة ، من مثل : دعم أي تفسيرات أو مدارس تفسير للنصوص الشرعية تقضي على ثوابتها ؛ فأُظهرت مدارس متعددة (أرخنة وعقلنة وأنسنة) ، لا همّ لها إلا الترويج لإعادة تفسير الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، وفق الهوى التغريبي ؛ فالنصّ الشرعي قد تكفل الله بحفظه ، فلم يستطيعوا تحريف نصوصه وحروفه ؛ فاتجهوا إلى تحريف معانيه ودلالاته ، وهنا تم استخفاف بعض المثقفين ، بل وبعض ضعيفي التأصيل من الشرعيين ، من قبل الذين لا يوقنون وهو ما حذّر الله تعالى منه في مثل قوله : )فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ( .

ومن هنا ظهرت الجرأة - تهوراً وجهلاً ، واستناداً إلى حبل من النّاس لا إلى شجاعة ذات - على ثوابت الإسلام عقيدة وشريعة ، دون خوف من الله أو حياءٍ من خلقه ، ودون احترام لمشاعر أهل الإسلام في كل البلاد ، حتى ظهر من أبناء المسلمين المستكتبين في الصحافة من يناقض القرآن الكريم بتبني آراء قاديانية خطيرة ، ووجد من المستكتبين في الصحافة من يعلن – بكل جهالة ووقاحة - أن القوانين الوضعية أفضل من الشريعة الإسلامية ! ووجد من المستكتبين من يدعوا علناً إلى عدم التفريق في العقيدة بين مسلم ويهودي ونصراني ووثني ، والعياذ بالله .

ومنها : تجلي الشراسة في وسائل عداء سدنة العولمة ، للعالم العربي والإسلامي ؛ لفرض أجندتهم عليه باسم (الالتزامات الدولية) بالقوّة ، في مثل : اتفاقية الخداع (السيداو) ؛ وذلك من خلال الضغوط المتتالية التي تصل حدّ التهديد الواضح والتدخل المباشر ، والوفود المتتابعة التي تحمل معها كلّ أكاذيب وشبهات ما يعرف بالطابور الخامس ، ممن يرفعون تقارير عن بلادهم ما بين أفراد ومراكز ومنتديات ؛ كلّ ذلك من أجل القضاء على الشريعة الإسلامية في بلاد الحكم بالشريعة ، وما أبقته العلمانية من أحكام الشريعة الإسلامية في غيرها ، وهدم الشخصية الإسلامية العزيزة ومنظومتها التشريعية ، في أوطانها ؛ تحت دعوى : الحريات الدينية مرةً ! ودعاوى تحرير المرأة ثانية ! ودعاوى تطبيق المعاهدات الدولية ثالثة ! ودعاوى حماية الأقليات رابعة ! ودعاوى تطبيق الديمقراطية خامسة ! وهكذا .. وكلها أساليب وجدت لتحقيق هدف واحد ، هو إقصاء تحكيم الشريعة السمحة مقابل استجلاب وتحكيم العولمة التي تمكن الدول الأقوى مادياً من تحقيق سلطتها وسيادتها ، على مقدرات العالم الإسلامي ، يُعَيِّن فيه من يشاء ، ويَخلَع منه من يشاء ، في ظل نتائجها التي لا تجعل للناس تفكيرا في غير طلب المادّة والانشغال بها عن كل شيء ، حتى الحرية الحقيقية والسيادة !

9) و مع أنَّ ميثاق الأمم المتحدة ينص على احترام التنوع الثقافي والديني في العالم ، ومع أنَّ العلمانيين العولميين ومن يسير على خطاهم ، لا يملون من ترديد (التعددية) و (احترام الآخر) ، إلا أنَّ الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت اتفاقية(سيداو/CEDAW) في 18 ديسمبر عام 1979م ، وسيداو (اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة) ، وقد استخدمت فيها كلمة (التمييز) قصداً ، ولم تستخدم كلمة (الظلم) ؛ لأنها تستهدف كل صور التمييز بين الرجل والمرأة ، في أي ثقافة وأي دين ! سواء كان تمييزا في مصلحة المرأة أو ضدها ، وسواء كان شرعيا أو غير شرعي ! فليس هدفها القضاء على كافة أشكال الظلم ضد المرأة ! كما يظن بعض من لا يحسن قراءة المصطلحات الأجنبية !

ومن هنا " أصبحت أحكام الشريعة الإسلامية مستهدفة من قبل منظمة الأمم المتحدة ، وصار الهدف هو : استبدال قوانين الأحوال الشخصية المستمدة من الشريعة الإسلامية [آخر صرح تبقَّى من الأحكام الإسلامية بعد فرض العلمانية في المجتمعات الإسلامية] بغيرها من القوانين التي تتخذ من الاتفاقيات الدولية مرجعية لها ؛ مع التجاهل التام لاعتراض العلماء والمؤسسات الدينية ؛ بل إنَّ بعض ما يتحفظ عليه الأزهر ومجمع البحوث بل وغالبية المؤسسات الدينية ، يتم إقراره وتمريره من خلال مجلسي الشورى والشعب .

وتعد المنظمات غير الحكومية – المرتبطة بالتمويل الخارجي – رأس الحربة في تنفيذ توجيهات الأمم المتحدة من خلال المشروعات المتوالية ، التي يتم تقديمها إلى الجهات التشريعية ، مثل مجالس الشورى والشعب و وزارات العدل " [1] .

فاتفاقية (السيداو) بتفسيراتها المتجددة الشاذة المعادية للفطرة ، لا يمكن أن توصف بأقلّ من معاهدة الشذوذ ونقض العهود وفرض القيود ؛ فقد كانت تفرض بنودها في الأحوال الشخصية الخاصة بكل ثقافة ودين ، باسم العولمة المستندة إلى ما يسمى بالشرعية الدولية .

وقد نبّه إلى خطورة هذه الاتفاقية وطالب بالانسحاب منها ، فضيلة الدكتور محمد بن إبراهيم السعيدي ، في مقال بعنوان : )اقلعوا جذور البلاء من بلادنا ([2].

وإنَّه لمن السطحية الساذجة ، والتبسيط المشبوه : النظر إلى الحركة النسوية ومطالباتها المتكررة لما يتعارض مع الأحكام الشرعية في العالم العربي والإسلامي ، على أنها حركات وطنية مستقلة ؛ إذ لو كانت حركات صريحة تطالب بحقوق حقيقية للمرأة ، لالتزمت بالأحكام الشرعية ولكن المقصود هو إقصاء الشريعة الإسلامية ؛ ومهما كانت المطالبات معقولة في الظاهر أحيانا ، إلا أنها لا تكاد تخلو من تهديد أمني وطني ، تؤكده الملابسات والظروف المصاحبة ; فالموضوع أخطر وأكبر مما يتصوره عموم من قد يحسن الظن ببعض المسايرين لبعض أدوات العولمة المباشرة وغير المباشرة ، والمتأبَّطِين لديها ; لأنَّ مؤدَّى هذه الدعوات ، بل وما يعلن من أهداف حقيقة لهذه الحركات النسوية في العالم العربي والإسلامي ، وما يصرح به من تلقي بعض المندفعين لترويجها من ذكور وإناث لأموال أجنبية ومزايا معينة ( في شهادات بعض من يشاركون في تلك اللقاءات وبعض من عرض عليهم المقابل فأباه ) ، لهو مما يثبت خلاف ذلك .

وثمة قضايا أُعطيت زخما إعلاميا هائلا ، مع أنها قضايا ثانوية تمثل رأي الأقلية ، في عصر يزعم فيه الأجنبي أنهم مع الديمقراطية التي تراعي رأي الأغلبية ! فأي ديمقراطية تقدم رأي الأقلية في القضايا العامة على رأي الأغلبية مهما كانت ساحقة !

وأخيراً : يلاحظ من خلال قراءة هذه المسارات أنّه لم يعد المستهدف في عالمنا العربي والإسلامي ثرواته المادية فحسب ، بل كلَّ ما يمكن أن يشكِّل اعتزازاً بالشخصية المسلمة ، واستقلالاً عن الخضوع والصغار للأجنبي .

ونحن بحمد الله نعيش في المملكة العربية السعودية ، في ظل نظام إسلامي واضح ، التزم الكتاب والسنة دستوراً ، واستمداد الأنظمة منهما معياراً لشرعيتها ؛ بل صرح بجعلهما حكماً على النظام الأساسي وعلى جميع أنظمة الدولة .

وها هي الأوامر الملكية التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين ، تأكيدا للمرجعية الشرعية ، والمنهج السياسي الشرعي ، من خلال دعم هيئة كبار العلماء ، ومقام سماحة المفتي العام ، ودعم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم ، والمكاتب الدعوية ، وإنشاء المجمع الفقهي السعودي ، وغيرها من الأوامر الملكية المشكورة ؛ وهو أمر لقي ترحيبا شعبياً كبيرا ، يعرفه كلّ من خالط النّاس ، وتابع حراكهم في الشبكة العالمية ، ووسائل التواصل الاجتماعي .

وهو أمر نؤكِّد أهميته ، ونتواصى بالمحافظة عليه ، وأنَّ نتعاون في ذلك قيادة وشعباً ؛ وقد قال خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله وفقه الله لما فيه رضاه : " فشأن يتعلق بديننا، ووطننا، وأمننا، وسمعة علمائنا، ومؤسساتنا الشرعية، التي هي معقد اعتزازنا واغتباطنا، لن نتهاون فيه، أو نتقاعس عنه، دينا ندين الله به، ومسؤولية نضطلع بها ـ إن شاء الله ـ على الوجه الذي يرضيه عنا، وهو المسؤول جل وعلا أن يوفقنا ويسددنا " .

فالواجب على القيادات الإسلامية -في كل العالم الإسلامي- حكّاماً وعلماءَ ومثقفين شرفاء ، أن ينحازوا لدينهم وشعوبهم ؛ فيلتزموا الدعوة إلى الإسلام كافّة ، ومنه الدعوة إلى الإسلام ديناً للدولة ، والشريعة الإسلامية مصدراً للتنظيم . شأن المملكة العربية السعودية في المادة الأولى و السابعة من نظامها الأساسي ؛ فهذه أعظم صور الانحياز للشعوب الإسلامية ، والانقياد لشريعة الله ، التي تجمع بين أصالة المصدر ومرونة السياسة . و على الجميع أيضاً : التصدي لكل خطوة تريد إسلامنا وشريعتنا بسوء .

ولا تعارض في ذلك مع مقتضيات العلاقة بغير المسلمين ؛ إذ لا شكّ أن من مقتضيات السياسة الشرعية : الاحتفاظ – في ضوء الشريعة الإسلامية - بعلاقات متوازنة مع جميع الدول التي تراعي المصالح المشتركة ؛ دون تدخل في الأحكام الشرعية ، أو المساس بالسيادة الوطنية .

والخلاصة : أنَّ تحكيم شرع الله في كل شؤوننا هو العزّ والأمان ؛ فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام ، ومهما ابتغينا العزّة في غيره أذلنا الله !

نسأل الله تعالى أن يلطف بالمسلمين ، ويكفيهم شرّ المتربصين ..

وكتب / سعد بن مطر العتيبي


-------------------------------------

1 ـ عولمة قوانين الأحوال الشخصية في مصر ، إعداد اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل :202
2 ـ [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
العالم العربي من فرض العلمنة إلى فرض العولمة - د. سعد بن مطر العتيبي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكة ومنتديات أنصار العدالة :: قسم المنتديات :: المنتدى العام-
انتقل الى: